اسماعيل بن محمد القونوي

3

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

[ المجلد الثاني ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 6 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) قوله : ( لما ذكر خاصة عباده ) من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف أي عباده الخاصة ( خالصة أوليائه ) الخالصة وصف العبودية أشرف فلذا قدم وكذا الخاصة أبلغ من الخالصة إذ الخاصة معناها هنا أقربهم وأكرمهم عنده تعالى وحاصله عباده المخلصين بفتح اللام أي أخلصهم اللّه لطاعته وطهرهم من الشوائب ومعنى أوليائه الخالصة أي المخلصين بكسر اللام أي الذين أخلصوا نفوسهم للّه تعالى وشتان ما بينهما فعلى هذا فالتاء للتأنيث وما قاله بعضهم فالتاء للتأكيد أو للمبالغة فبناه على كون موصوفه مفردا ولا يناسب ذلك هنا ومعنى الخاصة ظاهر والخالصة بمعنى الصافي قوله ( بصفاتهم ) متعلق بذكر وهي الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة والإنفاق إلى آخر ما ذكر فيه إشارة إلى وجه كونهم العباد المخلصين والأولياء المخلصين ولذا قال أهلتهم أي جعلتهم أهلا ( التي أهلتهم للهدى ) أي للهدى الذي لا يبلغ كنهه وإن كان أصل الهدى حاصلا لهم قبل ذلك ( والفلاح ) أي في الآخرة . قوله : ( عقبهم بأضدادهم ) جواب لما أي ذكر أضدادهم عقيب ذكرهم مراده بيان ارتباط هذه الآية بما قبلها لأن الضد أقرب خطورا بالبال عند ذكر ضده ومن هذا جعل أهل البلاغة التضاد من الجهة الجامعة بين المتعاطفين والتعبير بالأضداد بناء على أن بين الإيمان والكفر تقابل التضاد وقيل بينهما تقابل العدم والملكة فالمصنف اختار الأول أو المراد بالأضداد المتقابلون مطلقا إذ كثير من المتكلمين وأرباب اللغة يطلقون الضد على مطلق التقابل فالضد الحقيقي هو الإيمان والكفر وإطلاق الضد على الموصوفين باعتبار اتصافهم بالأضداد قال النحرير في المطول قد يعد مثل الأسود والأبيض متضادين باعتبار اشتمالهما على الوصفين المتضادين إلى آخر ما فصله ( العتاة ) جمع عات من عات عتوا إذا استكبر وجاوز الحد وإنما ضم العين لكونه ناقصا كالقضاة ( والمردة ) بوزن فسقة جمع مارد أي الذي لا يعلق بخير أصلا قال تعالى : شَيْطاناً مَرِيداً [ النساء : 117 ] وأصل التركيب للملابسة ومنه صرح ممرد وغلام أمرد والمعنى هنا شديدة العتو والطغيان قوله ( الذين لا ينفعهم ) صفة ذامة لا مخصصة وبيان لما به التضاد أي لا ينفعهم ( الهدى ) بمعنى الدلالة على الموصل إلى المطلوب ( ولا تغني عنهم الآيات والنذر ) أي الآيات « 1 » العقلية كعطف تفسير لما قبله فهؤلاء أوصافهم تخالف لأوصاف الأولياء المخلصين .

--> ( 1 ) قيل ووجه كونها منبهة على الاختصاص ظاهر مما مر سواء كان اللام للعهد أو للجنس وعلى تقدير كونها للجنس فإما أن يقصد الاستغراق أو يقصد الاتحاد وأياما كان فالتخصيص حاصل كما ترى انتهى ولا يخفى أنه بناء على الوجه الضعيف وهو إفادة اللام العهد الخارجي القصر .